جمال بووايور: نعيش في عالم يحتفي بالتنوع البيولوجي لكنه لا يزال متحفظاً تجاه التنوع الإنساني
جمال بووايور، دكتور، باحث ومحاضر مغربي يعيش في فرنسا منذ سنوات عديدة، ويشتغل في جامعة “بو” الفرنسية، كما يحاضر في عدة جامعات داخل فرنسا وخارجها. جمال جعل من العلم والمعرفة طريقا لمعرفة وفهم العالم والتحولات التي يعرفها سواء على مستوى الاقتصاد أو الهجرة.
م ح ث: حدثنا عن نفسك وعن مسارك الأكاديمي؟
جمال بووايور: أتممتُ مساري الجامعي بأكمله في جامعة “تولوز 1” كابيتول حيث حصلتُ على شهادة الماجستير البحثي، ثم الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، قبل أن أنال التأهيل للإشراف على البحوث. وقد أتاح لي هذا التكوين اكتساب قاعدة نظرية ومنهجية متينة، كما منحني استقلالية علمية لقيادة مشاريع البحث العلمي. وبعد ذلك التحقتُ بـجامعة “بو”كأستاذ باحث، كما حظيتُ بفرصة العمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات داخل فرنسا وخارجها، من بينها جامعة “لوفان الكاثوليكية” وجامعة “الأخوين” وجامعة “سيدي محمد بن عبد الله” و “جامعة مونديابوليس”. وقد أغنت هذه التجارب رؤيتي الأكاديمية عبر الاحتكاك بسياقات ثقافية ومؤسساتية متعددة.
م ح ث: كيف التحقت بجامعة “بو” الفرنسية؟
جمال بووايور: بعد مناقشة أطروحة الدكتوراه، انضممتُ إلى الجامعة بصفتي مكلّفاً بالتدريس والبحث، ثم تمّ تعييني لاحقاً أستاذاً باحثاً. وأدرّس حالياً مقررات متعددة في العلوم الاقتصادية، من بينها الاقتصاد القياسي، ونظرية النمو، واقتصاديات الهجرة. كما صمّمتُ مقرّراً أصيلاً حول العلمانية والتماسك الاجتماعي، وهو موضوع أعتبره ذا أهمية خاصة في السياق المعاصر. وعلى المستوى الإداري، شغلتُ عضوية مجلس إدارة الجامعة لعدة دورات، وعضوية المجلس الوطني للجامعات المكلّف بالتأهيل وتقييم الأساتذة الباحثين. وأشارك أيضاً في لجان التوظيف والترقية في عدد من الجامعات الأجنبية، خاصة في السعودية وباكستان وقطر.
م ح ث: حصلت على الدكتوراه ثم على التأهيل لتوجيه البحوث في جامعة تولوز، ما أهمية هذا التأهيل في مسارك العلمي؟
جمال بووايور: يمثل هذا التأهيل محطة أساسية في المسار الأكاديمي، فهو يتيح الإشراف على أطروحات الدكتوراه، ويعكس نضجاً علمياً معترفاً به من طرف الزملاء. وقد أشرفتُ خلال مسيرتي ولا أزال على ما يقارب ثلاثين أطروحة في العلوم الاقتصادية. ومتابعة الطلبة الباحثين في تطورهم ونجاحهم تُعدّ من أسمى مكاسب المهنة؛ إذ يشغل معظمهم اليوم مناصب أكاديمية ومناصب رفيعة في مؤسسات دولية مثل: البنك الدولي أو في إدارات حكومية، في عدة دول. وأشارك كذلك في الإشراف المشترك على أطروحات بالتعاون مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، وجامعة تولوز، وعدة جامعات تونسية، بما يعزز ديناميات التعاون العلمي الدولي.
م ح ث: ما هي المجالات البحثية التي تعمل عليها اليوم؟
جمال بووايور: تركّز أعمالي أساساً على قضايا الهجرة، وهو مجال بحثي يجمع بين الاقتصادي والعلمي والمجتمعي. وفي ظل حضور قضايا الهجرة في صدارة النقاشات العامة والسياسية، تبدو الحاجة ملحّة إلى تحليل رصين يستند إلى البيانات وأدوات الاقتصاد. كما أبحث في موضوعات ترتبط بالمالية البديلة، خاصة المالية الخضراء، والمالية الإسلامية، والعملات المشفّرة، إضافة إلى قضايا اقتصاد الاستدامة. وتندرج هذه الأبحاث ضمن رؤية أوسع لتحولات النماذج الاقتصادية في عصر التحوّلات البيئية والرقمية والديمغرافية.
م ح ث: كيف تصف تجربتك كدكتور جامعي ومحاضر في فرنسا؟
جمال بووايور: تجربتي بشكل عام إيجابية للغاية. فالنظام الجامعي الفرنسي يوفر بيئة محفّزة للبحث والتدريس. لكن النقاشات الوطنية والدولية، خصوصاً حول قضايا الهجرة، تخلق أحياناً مناخاً يشعر فيه الباحث بأنه معنيّ بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بصفته متخصصاً في هذا المجال أو بصفته مواطناً. وهذه من سمات العالم الأكاديمي اليوم: العمل في محيط معقّد ومشحون أحياناً، مع المحافظة على الصرامة العلمية والمسافة النقدية. وهو يتطلب قدرة على التكيّف المستمر وتأملاً دائماً في موقع الباحث داخل المجتمع.
م ح ث: ماهي التحديات التي واجهتك في البدايات؟
جمال بووايور: تعددت التحديات، ولعل أبرزها مسألة الانتماء المزدوج الثقافي والذهني وهي مسألة تجمع بين الصعوبة والغنى في آن واحد. فالتوفيق بين إرث ثقافي والانخراط المتوازن في بيئة أخرى يتطلب دقة وحكمة وبصيرة. نعيش في عالم يحتفي بالتنوع البيولوجي لكنه لا يزال متحفظاً تجاه التنوع الإنساني. مع ذلك، يجب النظر إلى التنوع البشري باعتباره ثروة لا تهديداً. وأنا مؤمن بأن الإنسان ينبغي أن يكون محور كل تفكير أخلاقي وسياسي.
م ح ث: ماهي أهدافك المستقبلية؟
جمال بووايور: أعمل حالياً على تأليف كتاب حول الهجرة والاندماج، أضع فيه مسألة الانتماء المزدوج في قلب التحليل. ويهدف الكتاب إلى تقديم رؤية علمية منفتحة وقابلة للفهم، تتجاوز القراءات المبسطة وتمنح القارئ فهماً أكثر توازناً وإنسانية لهذه القضايا. وعلى المدى البعيد، أسعى إلى مواصلة تكوين الباحثين الشباب، وتعزيز التعاون الدولي، والإسهام في النقاش العام عبر بحث أكاديمي صارم، مستقل، وملتزم بخدمة فهم العالم.
